أقلام

أحمد قايد صالح عبرة الانسان وبعض سيرة

الأصول :

لم تكن قرية عين ياقوت غداة مولده ترقى حتى الى مجرد مشتتة مترامية يسكنها عرش اولاد سيدي على في السفوح الاوراسية القاسية ، بل كانت مجرد مشتتة يقطنها مزارعون وفلاحون من ابناء العرش ، الذي تعددت انسابه ، فكان أولاد لكحل في تلك المناطق الريفية الموغلة في البداوة عند مطالع الأربعينيات القرن العشرين على عيش أترابهم من قاطني هذه السفوح .

عرش اولاد لكحل لم يكن ان ابنا من صلبهم سيكون له شأنا عظيما ، لان طالعه سيحمله ان يخوض غمارات حيوات تشرفت وعمرت بما سيترك اثره على بقية الزمان الجزائري وشعبه و امانيه .

ففي هذه المناطق النائية و بين سكانا لا يعرفون سوى الزراعة و الفلاحة ولد ” أحمد ” بن بشير قايد صالح ، ذاك المدرس القرآني الذي اشتهر بين عرشه بشغفه الكبير في تدريس القرآن وتشجيع الاطفال على حفظه ، كان والده بشيرا قد سمي ابنه احمدا تيمننا بالنبي ، وهكذا جعل ابناءه يميلون منذ صغرهم الى حفظ القرآن الكريم وتربية الكتاتيب ، على نبراس من وصايا الاجداد والاباء .

ولد إذن ” احمد قايد صالح ” بدوار اولاد لكحل بعرش سيدي على يوم 13 -1- 1940 في المكان الذي يربط دراع بولطيف غربا عن عين ياقوتة والمشتة التي غدت تسمى اشتقاقا من مرادفة من اللغة الشاوية ياتوت والتي تعني الضباب .

ربما الزراعة و الفلاحة التي نشأت فيها هذه الناحية ابقت العائلة و الاعمام و الاخوال و الاخوة فيها ، فلم يتقلد ابناء عرش اولاد لكحل مناصب ادارية و لم يأبهوا بها مطلقا ، لقد ظلوا على التنشئة الاولى قيد الاشتغال على الارض والاكتفاء بالنصيب ، ويكفيهم ان ابنهم احمد سيرفع من شأن هذه النواحي عاليا بسيرة عطرة ، تدمى الافئدة و تثير الفرح الغامر والمشاعر الدافئة .

عوامل تربوية و بيئية و تاريخية

نشأ الصبي احمد على خطوات والده ، حيث بدأ في كتاتيب التي كان والده مدرسا ويديرها بحب ويسير للتعليم و حفظ القران ، فيما كانت الناحية الاوراسية مع اواخر الاربعينيات تغلي بالحركة الوطنية والوعي السياسي للحركة الوطنية ، ذاك الوعي الذي كان يجعل من الكتاتيب و القران الكريم موردا له ، مما جعل الفتي احمد منذ نعومة اظافره قيد تلك التربية و ذاك الوعي الوطني ، الذي جعله يعي ما كان يحيط به ، من المظاهر الفرنسية و الظلم و القهر ، ليستمر بعد سنوات قليلة حينما بلغ عامه الرابعة عشر باندلاع الثورة النوفمبرية التي كانت هذه المناطق موقدا له دون سواه من المناطق ، ففيها اولى رصاصات الحرية من عمق بداخله ذاك الايمان بعدالة المطالب الوطنية وقتها ، الامر الذي جعله يلتحق باكرا و لم يبلغ عامه السابع عشرة بجبال الشمال القسنطيني سنة 1958 مجاهدا ، لقد اختار طريق الثورة و التمرد على الظالمين المستعمرين الفرنسيين ، هذه الثورة والتي لم تفارقه طوال حياته الاولى صغيرا و شابا ورجلا وكهلا وضاربا في المسؤولية ، التي ميزته مع الحراك الشعبي السلمي اين قاد بحكمة لا يعلمها الا عالم الاسرار طريق البلد الى مأمن السلم و الشرعية .
وكانه كان ينتظر هذا اليوم الكبير لكي يترجل تاركا تاريخا حافلا بالبطولات و الوطنية و المجد و الكبرياء ، عن حقيقية عينية يجسدها تاريخه كله منذ الولادة الى ان ترجل ملتحقا بالرفيق الاعلى عن رضى و ايمان .

عبرة الحكاية:

عاش نوفمبريا منذ اول الانتماء الى ترك عند ترجله تاريخا عامرا بالانتماء الى تربة رفعها منذ اول مرة على سنان الرصاص ، لم يكن يبلغ من العمر عامره السابع عشر اذ التحق بالجبال الغاضبة ، لم يوقفه شبابه الذي رمى به فى احضان ثورة ملتهبة هي اعظم الثورات بشهادة الضالعين ،

و رحل ، بل ترجل فارسا لا يهمه ان يودع احدا ، لعلمه ان لا شيء يستحق الوادع بعدما اكلت تربته عمره شابا يافعا ومناضلا ومجاهدا وملتزما مجندا و ضابطا مسؤولا في صفوف جيشا هو اول العالمين بجراحه و أمانيه فقد بدأ معه منذ اواسط الثورة عند قرر ان يرفع كفنه بين يديه ويلتحق مجاهدا بدوار الصوادق .
هنالك أين أثر الشهيد زيغود يوسف ما تزال ندية ومقروءة فوق طين المشاتي وزرع القرى الحزينة ، لقد عاش الفقيد حياة عامرة بالمرؤة ومتفجرة بالكرامة وطاغية بالرجولة ، بل عاش مبديا صبرا يرقي الى صبر الجبال العاتيات يقول محبوه ، فمنذ عقود وعقود خلت لم يتزحزح قيد انملة ، على ما كلف نفسه به عند اول قراراته بان يصير خادما لشعبه برتبة مجاهدا ، ثم خادما لشعبه برتبة اطارا ساميا في جيشه الشعبي وفنون العسكرية ، ثم خادما لشعبه عند حراكه العظيم الذي قاده بصير يقابله صبر الأنبياء وبحنكة لا يضاهيه فيه احدا ، عندما اختار وقوفا مشرفا الى جانب البسطاء والفقراء والمستضعفين في جزائر القيام النوفمبري ، قياما رفعه فوق السحاب نموذجا ، وقد اتمه برفعه للحراك الشبابي ثم قرر ان يترجل .

كان الفقيد لا يري سوى ان الشعب اصله وانتماءه فقد قال يوما ، لولاه لم اكتملت فرحة الثورة التوفيرية ، ولولاه لم طلع الانتصار الاستقلالي ولا نحن هنا . في الحقيقة ان الحديث عن الفقيد يأخذنا الى مسارات مثيرة من سيرته وحياة ومواقفه و تواجده البليغ اثره ، والذي استمر الى ان اكتفي عندما اعلنت الشعب انتخابه لرئيس ، بعدها قرر الترجل برمزية غريبة لا يفهمها غير الطالعين في الصفاء .

كان قدره ان يضع ، وبكن ما استطاع جزائره ، جزائرنا التي اكمل لأجلها عمره كله حالما بها على سكة سلامة ، ثم ترجل ، ترجل متبخترا بكبريائه ، ترجل قابضا على كتابه ، وترجل مستقدما الى لقاء يومه الاخير ، وقد ادخر له جهدا تعجز على موارته فيه الجبال الراسيات ، وسيرة ندية بالورد والعطر ، بدأت جوع الجبال الغاصبة ادبان الثورة ، وبالصبر في مهام استقلالية الى الكثير من الاشتراكات الواضحة المعالم الوطنية و المهنية ، والتي ما تزال قائمة في عين شمس والحقيقة ، فلا يغطيها احدا مهما فعل ومهما مر الماكرون .

لقد وقف بطلا نوفمبريا في مواجهة الكيان الصهيوني عند اولى حروبه مع العالم العربي ، وقف بشرف وكبرياء مجاهدا عائدا الى تضحية غالية عند مواجهة ارهابا إسلامويا اعمي ، و استمر في مكانه ثابثا محتسبا بما اوتي من ايام ، الى ان خرج شعبه حراكه ، فاستقبله مرة اخرى مجاهدا ومرافقا في اثواب من الشرعية الدستورية التي حمى بها شعبا كاملا ومستقبلا برمته وماضيا تليدا ، ثم عاد كما كل مرة الى مكانه الاول صابرا محتسبا ، الى ان ترجل كما يفعل الابطال والصالحين الى الرفيق الاعلى وكتابه بين يديه بلطف وبركات.

والبقية بر والدين وامانة حراك :

ترجل الفقيد الكبير ، تاركا ما ينفع ، وإذ تغوص في معالم قريبة لنجده قد اعطى نماذج اخرى بعيدا عما قدمه طوال مسيرته المهنية ، فهنالك اثارا من ذاك الانسان الذي لم ينسى فضل والديه عليه ، اذ لم ينسى ايضا تلك المدرسة القديمة التي اكل عليها الدهر لكنها بقيت تقاومه بشدة و عناد ، مدرسة ربطت على قلبه صغيرا بجبل القران ، فلم ينسى ابوه بشيرا وعشقه للقرآن ، لهذا فقد اعاد فتح تلك المدرسة القرآنية منذ سنوات خلت ، تلك التي تعلم فيها ونشأ بين جدرانها ، اذ جعلها مجسدا وزاوية تضم اقساما من تعليم الديني وحفظ القران ومساعدة الفقراء والمحتجين ، ربما هي عند الفقيد الكبير ليست الا برا بوالده ، وحفاظا على ذكراه و ذكرى اولاد لكحل وعرشه اولاد على ، وهي تثمن انتماءهم العروبي القرآني .ان زاوية سيدي بشير قايد صالح ، هي تيمننا بسم الواد ، وهي بالقدر نفسه ترفع إيمانا بليغا في حب القرآن و تلاوته ، وهي بر ساطعا بالوالدين ، ابوه الذي ظل الفقيد يروي عنه حكي وحميميات في اواخر ايامه يقول مقربوه .لقد جعل الفقيد من نواحي مقفرة بمسقطه فضاء خصص للقرآن والاعتناء به ، لأنه يعلم ان القرآن مرتبط هنا بشؤون متينة واهله وعائلات محافظة جدا بالأوراس الأبي .

كما ان الفقيد اعطى برمزية بليغة حين ترجله عن الدنيا ، امانة لمن ظلوا بعده ، هي امانة الحراك الشعبي السلمي ، وأمانة صون دماء و حرمة و مستقبل هذا الشعب الشهيد ، الذي اعلا مسارات يستحيل الالمام بها بتفاصيله الغريبة العجيبة التي تستعصي عن الفهم ، ربما سيرة الفقيد الكبير احمد قايد صالح ، واحدة من اسطعها شموخا و أروعها نهايات .
إن لله و ان اليه راجعون .

تنويه: المصادر جهد الكاتب الخاص

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*