أقلام

أين ” الأحزاب ” في مدننا الحزينة !؟

ولأني مهوس بمراقبة الحياة الجزائرية وتجلياتها المختلفة ، فقد زاد بداخلي هذا الهوس بمراقبة الحياة الجزائرية ، في ” زمنها السياسي هذا ” تزامنا والاستعدادات التي معنيين بها السياسيين وأحزابهم قبل غيرهم من الناس ؟

فلقد قادتنا شؤوني إلى عاصمة الشرق ” قسنطينة ” للقضاء حاجات هنالك ، فكنت طوال الطريق الصاعد من السفوح الساحلية إلى الأعلى باتجاه ” قسنطينة ” الصخر والتاريخ والثقافة انتظر بشغف ، كيف سأرى التجليات السياسية الأخيرة هناك .

و” قسنطينة ” في تاريخها كله كانت مركزا حضاريا وسياسيا بامتياز ، فقد أسست فيها النوادي والجمعيات الثقافية تلك التي ربت الأجيال على المطالبة و والاحتجاج قبل منتصف القرن العشرين حتى ، وعرفت بعد 1940 تأسيس “جمعية العلماء المسلمين ” و انتشار المكاتب الجهوية للأحزاب الجزائرية في ذلك الوقت ، من ” حزب الشعب ، الذي صار حركة انتصار الحريات الديمقراطية ” و ” الحزب الشيوعي ” وغيرهما ، وفيما كانت ” قسنطينة ” قد أعطت ” 11 عضو” لمجموعة ” 22 التاريخية ” لأضع القراء في الصورة .كما أنجبت مثقفين كبار من أمثال ” مالك بن نبي ” و ” رضا حوحو ” ومن المتأخرين ” أحلام مستغانمي ” ومن السياسيين ” عبد المالك سلال ”

على كل حال ،أقمت بقسنطينة ليلتين ، سمحتا لي بالاطلاع على يوميات الحياة السياسية هنالك بروي مختلف ! فقد أردت كتابة مقالة عن الموضوع ، فقررت الخروج في اليوم الثاني صباحا للتجوال والاطلاع عن قرب على النشاطات و التجليات التي تصورتها عن الحياة السياسية بقسنطينة المدينة الكبرى عاصمة العلم والعلماء ، فكان أملا يراودني كبيرا في إشباع رغبة الاطلاع على تلك التجليات ، وقد استعنت في تجوالي اليومي المقرر هذا ، بأحد أبناء المدينة ، وكان صديقا لي ، اعرفه من أسرة ثورية وجامعي مقتدر لكنه ترك العلم واهتم بالأعمال الحرة ، قال لي ، في بادئ الأمر لما عرف بغيتي ” آنا لا أظن انك ستجد ما تبحث عنه في قسنطينة ” فتعجبت لما قال ، وبما بادرني به ! وقلت له ” أنا ابحث على بعض التجليات السياسية ، بعض مكاتب للأحزاب السياسية الرسمية ، والتي من الطبيعي أنها مهتمة بالحدث السياسي الرئاسي ، وابحث عن بعض التجليات كالملصقات الإعلانية عن الندوات ، أو الدعوات لأجل حضور نشاط سياسي لرئيس حزب ، أو مثقف ، أو حتى أمسية شعرية ، أو موسيقية أو ما شابه ، قلت لصديقي مختصرا ، ابحث عن الحياة السياسية التي تتجلى في النشاطات كما تفعل بقية الشعوب ، نظر إلي صديقي حزينا ، وقال ” لسنا كبقية الشعوب ”
قفلت، ما هذا الكلام، ألا ترى بأننا بشر كما غيرنا، لنا ثروتنا وحكومتنا و مؤسساتنا ومدننا وبترولنا وشعرائنا وكتابنا وأحزابنا ومواعيدنا، فلم تقول
” إننا لسنا كبقية الشعوب ”

ابتسم صديقي ، ثم راح يفسر مقصده . انك لن تجد ما تبحث عنه ، لسبب بسيط ، فلا مكاتب للأحزاب السياسية الرسمية المعروفة العنوان والمجهولة هنا ، باستثناء أحزاب المولاة وبعض من المعارضة ، وهي مكاتب لا تفتح أبدا ،إلا للمناسبات الغير سياسية فيحضر الأمناء ونواب الحزب فقط لا أكثر عن هذا السبب تفتح ؟ لهذا فلن تجد مداومات ولا تستقبل ضيوف ولا تقبل أسئلة ولا صحفيين ولا كتاب ، والبقية من الأحزاب الأخرى لا اثر لها هنا تماما ، تلك الأحزاب حتى محرك البحث ” غوغل ” لا يعثر لها على اثر لها ! فهي هلامية يا صديقي .

أما ما تبحث عنه من الثقافة والفنون والفكر، فلا تجده كما تحلم به ! قد تجد دعوة لأمسية شعرية لا يحضرها حتى أصدقاء الشاعر من الشعراء ؟ وقد تجد دعوة حفل لموسيقي ” الراي ” في قاعة حفلات روادها خصوصيين الوجه و اليد واللسان ، ولا أظن أن منهم ، وهكذا دواليك !

فلا فكر ولا ثقافة و لا فنون ، فحتى مرادفة ” أمسية فكرية ” صدقني وقد بلغت من العمر عقدي الرابع ولم احضر يوما أمسية فكرية ، أمام مفكر معروف يتلقى الأسئلة وبفكره يجيب ، هنا الندوات للمناسبات التاريخية والدينية والمناسباتية و بالأوامر ؟، هنا حتى الموسيقي الملتزمة لا توجد فقط ” الراي “و” الهاي” و ” الواوااوي ” ثم ابتسم !!

كان كلامي صديقي مفزعا لي ، وكنا جالسين في مقهى صباحا اليوم الذي قررت فيه أن ابحث عن تجليات الحياة السياسية في عاصمة الشرق ” قسنطينة ” وقد أغناني كلامه وحزنه عن التجوال الفارغ ، بل صديقي منعني أن أضيع وقتي فيما لا وجود له ، فلم ابحث عن تلك التجليات السياسية ، ما بحثت مقعد في الحافلة المتهرئة التي انتظرت ، لأعود إلى بيتي من عاصمة الشرق

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*