أقلام

الإرتآس بإشراط البكالوريا الفكرة الغبية !

لم يقرأ لنا التاريخ الإنساني أن قادته كانوا من حاملي الشهادات ، ولم تخبرنا ثورات التحرر العربية وغير العربية منذ منتصف القرن العشرين عن قادتها وزعمائها أنهم من خريجي الجامعات بوثيقة اثباث الدرجة ، ولم يورد هذا الاشراط على ما اعلمه واعترف إن ثقافتي محدودة في هذا الشأن في أية وثيقة سياسية قامت ترمى الإصلاح أو إعادة الإصلاح ،لان السياسية عادة لا تتوقف عنذ الدرجة الجامعية بل إن تلك الدرجات نفسها هي بعض من عوالم السياسية وثقافة السياسيين الاصلاء واشتغالاتهم.

وقد احترت كثيرا عندما اعتزمت كتابة المقالة عن اشراطية الباكلوريا لاعتلاء كرسي الرئاسية في جزائر ما بعد الحراك ؟ احترت كثيرا فلم أجد ما اصف به الفكرة إلا كونها فكرة غبية ، بل وغبية جدا ! فهي لا تنم على بعد اطلاع أو رغبة في تأسيس المستقبل بالقدر الذي تحمل بعض من الحسابات السياسوية وحده المولى يعلم أسرار أصحابها ؟!

وحيرتي الأخرى كانت كيف إن تفرز شهورا من الحوار والمناقشات على مقاسات من دكاترة واساتدة ونخبة ، ومقاسات من سياسيين وشخصيات وطنية وتاريخية ودينية كل هذا يفرز هذا الاشراط الغريب العجيب والذي ترك انبهارا سكن الأذهان فلا يزول عند الجزائريين بمقاسات منذ متى كانت الدرجة الجامعية من بكالوريا ودكتوراه مؤهلا في السياسية لمن يريد أن يسوس الناس ويرعى مصالحهم وان جميعهم يعرفون أحزان التعليم الأولى و العالي وأمراضه المستعصية ، ثم أليس تاريخنا السياسي الوطني كل عامرا بمن ساسنا ببراعة وحنكة واثر عظيم في أيامنا ولم يكونون ضمن هذا الاشراط ، الم تهب بادهانهم إن قيامنا النوفمبري عامرا بالأسماء والرجال والشهداء ساسوا التحرير وخاضوا المفاوضات وأشرقوا الاستقلال وما تلاه ولم يكونوا ضمن هذا الاشراط مع استثناء ضئيل جدا . في الحقيقة لا تدري من أين استلهم صاحب الفكرة فكرته العجيبة الغريبة والغبية ؟!

لان المضي في فرض مقومات الارتأس في الجزائر الجديدة ما بعد الحراك و تحديد طبقة بعينها من الراغبين في الجلوس في كرسي الرئاسة بإشراط أن تتوافر لهم وثيقة البكالوريا ، اغلب الظن انه أقحم نفسه في مضمار مريب يحمل من الأسئلة أكثر مما يحمل من الجدارة والحرص الوطني .

الم ينتبه صاحب الفكرة إلى أن درجة البكالوريا قد أضحت منذ عقودا مضت اقل ما يمكن توصفها بأنها شهادة لا ترقى إلى متطلبات الشهادة العلمية بمقاسات البلدان المتطورة ، نتجة ظروفا كارثية مرت بها المدرسة الجزائرية من الابتدائية إلى الثانوية وما تلا ، فلما لم تستوقفه الوضعية الكارثية بمضامين علمية وفي الحياة الجامعية وفى التمكن من اللغات والاطلاع التاريخي و الحضاري والثقافي لجيوش الطلبة الدين كل سنة تكبهم الجامعة في الشوارع بلا وجه يعكس بصدق السنوات التي استنفذت من حياتهم على مقاعد الجامعة ، فتراهم اعجز الناس في الثقافة واللغات أو آداب النقاش أو الوعي الثقافي ، إلا ما رحم ربك باستثناءات ضئيلة لا تكاد تذكر ؟ إن النقاش الذي أثير في الإعلام حول هذه القضية من الإشراط أن يمتلك من يرغب في الارتأس ويريد خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة أن يكون يملك درجة البكالوريا قد زاد من الغبن والأحزان ما زاد .

لأنه أن يقدم الإعلام الثقيل على ناقش هذا الاشراط الغريب فهو على ما اعتقده يريد أن يصطاد في المياه العكرة ، لان الفكرة مضحكة ومثيرة للاستهزاء والسخرية أكثر مما تحمله من جدارة نقاشية وجهات الرأي والنظر لأنها لا ترقى لذلك .

إن السياسة والمشتغلين بها ممن تتوافر فيهم القدرة والتاريخ والحنكة والاستقامة لا تضيف لهم وثيقة البكالوريا شيئا ، لان السياسية خبرة وأخلاق وطهارة وطنية وشفافية صفاء ذمة وتواضع وتضحية وهي في الأهم الوعي الاستشرافي والإنساني الذي ضروري أن يمتلكه الراغب في الارتأس أو المقبل على الجهد السياسي والانتخابات الرئاسية ، واعتقد إن المؤهلات لا تستطيع سواء كانت البكالوريا أو غيرها أن توفر لمن تحصل على الدرجة أن يغدو كذلك

وإذ اكتبها أعزائي القراء ، فلأني أكاد اجزم أن مقترحي هذا الاشراط لا يملكون نية احترام الشهادة أو إظهار جدارة الدرجة العلمية بالقدر الذي ربما يخفون ما يستظهرون – والله اعلم – على اعتبارها كوثيقة هي اقرب إلى الوثائق الإدارية في استكمال ملف ، ووضعت أمام أسماء بعينها تملك من جدارة الارتأس الكثير لكنها لا تملك جدارة درجة الباكلوريا . وتلك قضية أخرى من التاريخ ومن لبنات مثيرة من أيامنا الوطنية الحزينة .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*