أقلام

الجزائر الجديدة و فرنسا العجوز …

لما قرر ، هواري بومدين أن لا تطير طائرته الرئاسية في الأجواء الفرنسية ذات خريفا من 1978 لم كان عائدا بمرضه الأخير من موسكو ، قرر ما قرره لعلمه أنها عجوزا حقودا لا تحبه ، وكان وقتها رئيسا عظيما للجزائر التي خرجت للتو من استعمار خاشم دفعته أجساد مليون ونصف من الشهداء إلى تخوم بلده الباردة في بواخر الهزيمة والعار بعد الإنتصار الإستقلالي .

ولم أعلن ، عبد الحميد بن باديس رفض نطق الشهادة لو طلبتها منه العجوز ، أعلن ما أعلنه لعلمه أنها أفعى الفتنة ، تبطن الشر الزؤوم وتبدى من المساحيق كذبا ومداجنة . وكان حينها شيخا عالما مصلحا للتو يقيم قواعد تربوية للقيام النوفمبري الذي نهض بعد عقد ونصف سنة 1954 .

وحين تقصدت ،العجوز أن تعرض جماجم مقاومينا وشهداءنا الأبرار على أدراج متاحفها للفرجة ، تقصدت ما تقصدته لعلمها انه أسمى آيات التشفى في الشعب الثائر ، فلا شيء يقتل القلب بأرواح عرب الجزائر مثلما قال مريشالا للغزو اسمه ” بوربون ” سوى التشفي في شهداءهم .

هي نماذج تاريخية وصورا صارخة ما تزال وطأتها تملئ الذاكرة الغاضبة و العيون الحالمة عن عجوزا حقودا في كل مرة تتأهب ضدنا تسمى ” فرنسا ” وفى كل مرة تضع العصى في الدواليب لأجل إيقاف الحلم الذي راود الوطنيين و الشهداء وسكن أماني الصالحين والعلماء في إقامة الدولة الجزائرية الجديدة . وهاهي نفسها بعد نصف قرن وعقد من الزمن من هزيمتها تحاول المناورة على تحيد الحلم الأول نفسه بالطرق والأساليب نفسها ، تآمرا وتحايلا وتشكيكا والدفع بعملاءها إلى الساحات والسيطرة على الإعلام وأشياء كثيرة تطبخ في السر بعضها يظهر في العلن وبعضها تكشفه الأيام ، فلن تنام عيون العجوز إلا عندما ترى الجزائر في القيد الفوضوي والتناحر وحروب الإيديولوجيات والطوائف تماما مثلما ماضيها القريب وتظل العجوز وحدها تماما أيضا رائدة الاستحواذ والسيطرة .

وجاء الاستيقاظ الشعبي الذي سمى حراكا صبيحة 22 فيفري 2019 ، مباغتا فلم تحسب له العجوز حسابا لعلمها أن زمام زمنا حزينا قد أطبقت سيطرته ،وان الأغلبية الشعبية قد قتلتها في المهد بأحلامها وشردت علمائها وسفهت مثقفيها ، وأنها مارست هذا في الأهم بشبابها الذي ابهر العجوز الحقود بسلميته ووطنيته وتضامنه ، وابهرها أيضا بما لم تعد له العدة فقد ظنت أن الأجيال النوفمبرية والمجاهدين الصادقين هم وحدهم أعداءها لما بينها و بينهم من سياج دماء ، فإذا بالأجيال الشبابية التي خرجت صبيحة 22 فيفري أكثر كرها وبغضا من أسلافهم ، واشد حقدا على العجوز وأدواتها وعملاءها مما كانت تتصوره ، فقد خرج الشباب حاملا صورا الشهداء ” العربي بن مهيدي ، ديدوش مراد ، زيغود يوسف ، عبد الحميد بن باديس ، هواري بومدين ” وصارخا بأعلى ما يملك من صراخ الحناجر ” لا لأبناء باريس و الكيان الباريسي ” متشبثا بإرث الشهداء وبالتكبيرات النوفمبرية أن الله اكبر ، و إنها بيت جميع الشرور بما أنبتته من طابور خامس في الجزائر بأعلامه وثقافته وآدابابه قديما وحديثا.

فلم أعلن بيان قيادة الجيش أن سفيرا للعجوز بالجزائر قد حضر أو أوكل مساعدين له لحضور ذاك الاجتماع الانقلابي بما أسمته قيادة الجيش بفعل العصابة ، عندها أضحت أحقادها تحت الشمس عل الجزائر الحراكية ، فلقد كان اجتماعا مدبرا حصريا لتآمر على الجيش وإغراق الحراك في الفوضى وقد عقد بمنزل بسواحل سيدي فرج.

لم أعلن البيان صدق سريعا ، لان الخلفية الثقافية للأغلبية الشعبية التي خرجت بحراكها تعلم جيدا أن العجوز قد تفعل ما هو أعظم من ذاك الاجتماع التآمري ، وان الأغلبية الشعبية تدري أنها هي هي عدوا لدودا للجيش والشعب سيما بعد توجيهات قيادة الجيش الأخيرة . فلما تحركت الجزائر الحراكية الجديدة وما تلا بتطبيق الشرعية الدستورية المادة 102 اتضح كل شيء ، ففي سكون وصمت دبلوماسي أرغمت فرنسا على استدعاء سفيرها وتعين آخرا جديدا خلفا .فإذ أرغمت على تبديل ممثلها الدبلوماسي لأنها فقط رأت من سطوة الجزائر الجديدة ما فهمت رسائلها التي قالتها من قبل الأغلبية الشعبية في حراكها الثالث عشر وموقف قيادة الجيش سيما ما يتعلق بممارسات العجوز وأحقادها التاريخية .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*