أقلام

” المسجد الأعظم ” عمارة الآمال العريضة

كانت الساعة العاشرة صباحا ، أو ربما قاربت قليلا من العاشرة والنصف صباحا ، عندما تجاوزت سيارة الأجرة الجماعية الصفراء ” مقاطعة المحمدية ” صوب قلب العاصمة ليدخل فجأة في مدى أبصارنا بالثناء الذي لاح لنا مسجدا شامخا متعاليا فهانت دونه عمائر وبنايات وانجازات طرقات ومؤسسات أخرى ، بل وسكنت ملامحه المهيبة عيون المسافرين ، فتراهم يقلبونها ذات اليمين وذات الشمال تفحصا للمهابة والإبكار الكبيرين اللذين لاحا فجأة !
لم أنسى ما لاح من ضخامة عظمى ترمقك من العمران المسجدي الذي فجر أحاديث تبادلنها في السيارة الصفراء ، أحاديث لطالما خضت فيها ذهابا أو إيابا كلما سنحت لي الظروف بزيارة العاصمة .

كانت العاشرة صباحا ، وكنت من ركاب السيارة الصفراء التي التهبت نقاشا عن ” المسجد الأعظم ” وقد مليء مشاعرنا وعيوننا وأفئدتنا بمجرد دخولنا مداه الجغرافي ، لتفتتح نقاشات من وجهات نظر اخدتنا إلى مديات له أخرى للغد المستقبلي والمتن حضارية ورمزية وطنية خالصة .
في الحقيقة ليست هذه هذه أول رمقة عين لي للـمسجد الاعطم ، فلقد واكب خيالي ونقاشاتي منذ أول حجرته الأولى ، عند كل مرة ازور العاصمة منذ سنوات في سيارات الأجرة الصفراء أو في حافلات نقل المسافرين الكبيرة ، لكن هذه المرة اخدت النقاش مني انتباه كبيرا ، وأفهمتني شجونه أشياء كانت غائية عن هواجسي فقد كان نقاشا مغايرا تماما هذه المرة .

لقد كان كلام مسافرا معنا فاتحة النقاش قال ” ما الفائدة من هذا المسجد الأعظم، أليست الجزائر عامرة بالمساجد في كل مكان ” فرد عليه مسافرا آخرا ” لو أنشأنا مستشفى ، أراه انفع لنا من المسجد الاعطم كثيرا كثيرا ” وفيما بدأت التعليقات تشتد ، قلت للذي افتتح النقاش قائلا ” إلا تحب أن يبنى مسجدا كبيرا مثلما المسجد الأعظم في وطنك ؟ ” وأردفت معلقا ” سبحان الله العلى العظيم ”

ربما قولي ” سبحان الله ” قد جذبت انتباهه ، فراح يعاود تعبيره وما قاله أول مرة ، وكأنه يريد أن يرتب ، ويصحح أشياء قالها ، واستطرد في التفسير أن الجزائر في حالة إلى مستشفيات أو مؤسسات اقتصادية وفى ضخ الأموال التي وجهت للمسجد في قطاعات أخرى ، وكثيرا من التبريرات الأخرى التي قالها مفسرا بلغة فرنسية متخصصة ، فقلت في نفسي ربما يكون مهندسا معماريا ، أو متخصصا في التكنولوجيا أو استادا جامعيا .
على كل اخذ النقاش يشتد ، واخدت الآراء تتبادل، فراح البقية من المسافرين يعبرون على قيمة المسجد الأعظم ، وان لا احد يشكك في قيمته الحضارية ، و إن كانت الظروف الراهنة السيئة لا تسمح له بتأدية دوره الحضاري بحجم ضخامته وعمارته ، فيما اتفق الجميع أن المستقبل الجزائري كفيل ربما أن يجعل من هذه العمارة الحضارية ” المسجد الأعظم ” منارة علمية إسلامية للعالم كله ، وليس فقط في محيطنا المغاربي أو المتوسطي فشعرت انه المسجد يأخذ في حقه .

في الإثناء فاجئني صوتا قادما من المقاعد الخلفية للسيارة الصفراء ، صوت قال ” لهذا الغرب الحاقد يحارب هذا المسجد ، ويحاول بشتى السبل تشويهه و تصويره مشروعا لا فائدة له ” كان تعليقا أعجبني كثيرا ، فسارعت في دعمه وانطلقت اشرح مهامه الثقافية والحضارية والتويرية المعقودة ، والدور الذي يجسده ” المسجد الأعظم ” كمؤسسة علمية إسلامية في مستقبل آبائنا و بناتنا بعدنا بعقود . وان هذه الانجازات العمرانية الضخمة ليست أبدا لمن أنشأها فهي للأجيال التي ستأتي . ثم إن مقارنة الانجاز المسجدي الضخم بمقاس الأفضلية بمستشفى أو غيره ، فهذا ضرب من الجهل المركب ، فلكل مقال مقام و للمستشفى مكانه وللمسجد مكانه ،والأول لا يبرر الأخر ، والآخر لا يمنع وجود ما يليه ، وهي منطوقات تبريرية برع فيها المشككون ونافثي الشك في الأجيال . فلقد كان نقاشا وانقضى سريعا، فسيارة الأجرة الصفراء دخلت المحطة وحان ذهاب كل منا إلى شؤونه ؟

لكن ما بقى ، تماما مثلما المهابة التي لا تتلاشى ” المسجد الأعظم ” الذي كشف عن وجهه ، وأضحى واضحا للعيان بمآذنه وقببه وعمارته ، بساحاته و قاعاته وشساعة باحة مصله ، وكلها معالم غاية في الإتقان والعناية ،وكلها تعانق عباب السماء .وان جدرانه التي تلقى الإكرام والفخامة بما يبدو من بعيد إتقانها رغم أن العمارة المسجدية للمسجد الأعظم لم تكتمل بعد ، لكنه عمارة تلقى من الاعباق المحمدية المسجدية ما يكفى لها أن تثبث الانتماء ، وعمارة ترمى بسهام إيمانية ندية بشموخ أركانه في قلوب عشاق للفضيلة ، وان ورحابه وشساعته وسموه البنائي المسجدي لا يغفل انه اثر من سنن الخلفاء والفاتحين والصالحين .

كان نقاشا في سيارة الأجرة الصفراء ، وكنا جميعا من أبناء الشرق الجزائريين ، ممن لا مندوحة عند الإقبال على العاصمة سوى سيارات الأجرة أو الحافلات ” نقل المسافرين ” الضخمة وهي التي تورد وتعود كل يوم عبر الطريق السيار شرق غرب ، عامرة بالأحاديث والحميميات والأحزان وخيبات الإنسان والوطن ، وان نقاش سيارة الأجرة الصفراء ، كان من تلك النقاشات الحامية الوطيس ، الغنية الانتماء عن جدارة مسجدا عظيما سمى ” المسجد الأعظم ” يليق تماما بعظمة الوطن وخلق أبناءه المتسامين دائما مع الفضيلة والصاعدين دائما إلى الحضارة والحاملين دائما من الآمال العريضة لغد مشرق ، ربما ” المسجد الأعظم ” أمل سينير العالم .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*