أقلام

” النوفمبريين المجاهدين والشهداء “… المخيال المجروح !

عشية أول نوفمبر 2018

بقلم / يسين بوغازي

مند طفولتي ، وعلى ما ترعرعت عليه هواجسي الثقافية الوطنية الأولى ، أيام الكشافة والشبيبة الجزائرية إلى تلك الأخرى ، تلك التي ملئت شبابي ووعي أعوامي الدراسية الجامعية المتأخرة وما دونها ، التصقت بي قيم تعلمتها ، ونشأت عليها كالأناشيد الثورية والوطنية وكلها كانت لما يمثله القيام النوفمبرى في الهوية والذات الجزائرية ، وبما يلقيه من إلتزامات صارمة في المسارات كلها التي تلت .

فمنذ مده ، لم تفارقني أبدا هالة بلهاء من منظومة من النمطيات التي وصمت القيام النوفمبري ظلما وعدوانا ! بل وما أزال استشعرها الآن في نقاشات عدة ، وفي قراءات كثيرة، فلا تلبث أن تتجلى من خلال تصرفات يومية أتحسسها ، تصرفات نخبوية ربما ، سياسية كثيرا ، وإعلامية بأقل احتشام ؟ تجليات لا يمكن حصرها إلا تحت طوائل الجهل والأمية التاريخية بالمسارات الحقيقة التي أهلت وأعلت ، ثم رفعت وقدست أولئك النوفمبريين ” الشهداء والمجاهدين ” إلى المراتب التي يرون من خلالها في أيامنا هذه بعد عقود سبع تقريبا من ذاك القيام .

لقد طرحت على خاطري تلك التربويات التي نشأت عليها و تلك الأخرى من منظومة النمطيات البلهاء الجاهلة عن النوفمبريين ، طرحت أسئلة ، حاولت تبريرها ذاتيا بضعف للوعي بالمحددات الاجتماعية والأخلاقية والمرحلية التي أحاطت بالرعيل النوفمبري الأول وقيامه ، فمنهم من قضى نحبه وهم ” الشهداء ” ومنهم من أسعفته الحياة إلى أن رأي الاستقلال وشهد مراحله وشارك في لبناته بأحزانها وأفراحها ورحل ، ومنهم من ظل إلى يومنا بين ظهرينا مجاهدا ما يزال يحمل نيره الوطني الثوري صباحا مساء ، بتواجدهم في يوميات الحياة العامة ، وبين أفراد المجتمع وطبقاته ، بتجليهم السياسي أو المهني أو الأكثر وضوحا تجليهم التاريخي الذي يعود كل عام ، مع الذكريات النوفمبرية المجيدة من أعياد الثورة والاستقلال وذكريات الاستشهاد والبطولة ، والميلاد والرمزية ، علما إن كل شهيدا هو في الأصل مجاهدا ، وإن كل مجاهد هو في الأصل مشروع شهادة ، ومع ذكريات المعارك الكبرى والمنعطفات التاريخية الفارقة حربا وسياسية ، ومع الوقفات التأبينية التي تقام بين الحين والآخر عند رحيل احدهم من أولئك النوفمبريين ” المجاهدين ” فتراهم يعودن كل ساعة ، كل يوم ، كل عام ، ومعهم تعود في الآن نفسه تلك المنظومة النمطية البلهاء لتعكير الصورة ؟

لا أريد أن افصل في مضامين المنظومة النمطية البلهاء وهي عبثا تحاول ان تعكس النوفمبريين ” المجاهدين ” وكأنهم عبء عن المجتمع ، وكأنهم يأخذون ما ليس لهم ، و كأنهم جعلوا الوطن حكرا لهم ، بتوصيفات نمطية ليس لها من الجدارة شيئا ، ولا لها من الأحقية التاريخية والاجتماعية والحياتية مصوغا !؟ فلو أمحصنا النظر جيدا في الإرث النوفمبري لقرأنا ظلما تاريخا عظيما مسه ورجاله وقيمه الأخلاقية .

على كل حال ، انه العكس تماما لما تروجه المنظومة النمطية عن النوفمبريين ” المجاهدين ” في الأمس بما مسهم من تشويه تاريخيا ، وما شمل يومياتهم و جميع انخراطاتهم التحريرية ، واليوم بما مسهم عبثا من محاولات الحط من الأثر النوفمبري ورجاله بالتشويه ، لكن هذه المرة بتوصيف شؤون دنيوية ومالية وما شابه ؟ فترتسم أمامي لحظتها نمطية مستنتجة من المخيالات الأقل وعيا والأضعف إدراكا بجدارة الانجاز النوفمبري وبإستثنائيته التي رفعت قيامه ومجاهديه إلى اعلي عليين ، من الانتفاض و الثورة بدأ من العدم بلا لوجستيكيات ، ومعنويات مشوهة بهالات العملاء وروابط الكولون ،وسط خلفيات من الجهد التذميري الفرنسي الذي مرس على الهوية واللغة والدين الإسلامي قبل و غداة القيام . رغم ذلك كله استطاع النوفمبريين ” المجاهدين ” أن يعلوا صراخا استقلالي كان باهرا، و ظل مميزا ، وما يزال كما أول مرة برغم الجراح .

أردت تفكيك نمطية الوعي الفاسد للنوفمبريين ؟ الذي يبدو انه تراكمي ، ارتبط بمنعرجات من التاريخ الوطني وتشابك مع قوى جاهلة أخرى ، ومدمرة تشبعت إيديولوجيا بشتى المشارب غربا وشرقا ، وأرادت أن تحاول أن تقول الانجاز النوفمبري بصيغ أخرى ، كانت الصيغة الإسلاموية أشدها ، وقد جاءت بعد الصيغة الأكثر إثارة للجدل الاشتراكية ، لكنهما معا شكلا رافدين لنمطية أساءت كثيرا من حيث ظنتا حسن العمل .هما الصيغتين الأكثر تجليا في صلب القيام النوفمبري ” المجاهدين ” وهو بريء منهما براءة تقرأ بوضوح في إجابات المجاهدين النوفمبريين حين التحدث إليهم ، من الدين ما زالوا على قيد الحياة ، فلا نلتمس فيهم الاسلاموية ولا نري فيهم الاشتراكية بل تتفجر من أفواههم أنوار التراث الجزائري وعشق الانتماء إلى المقومات الأساسية المشكلة للهوية والأمة . إن العكس لهو الصحيح تماما ، فالنوفمبريين لما اختاروا تسمية لقيامهم على المستوى الفردي سموا بعضهم البعض ” مجاهدين ” وإنها التسمية المشتقة من المعطى القرآني ، مفهومة لا تحتاج تفسيرا . لها الأحقية ما لها في التراث العربي الإسلامي ، ولها من الكرامة ما لها ، لهذا رفع ” المجاهدين ” في المجتمع النوفمبري الأول إلى أعلى المراتب من الاحترام الوطني ، ففيهم تجسيد لا متناهي لمعان التضحية والإخلاص والفداء ، ويهم تجسدت معاني الدود عن الهوية الجزائرية في تلك الأوقات ضد الطغاة من الروم الاستدماريين وحلفائهم .

وعلى هذه المقاسات انتشر الوعي بجدارة ذاك الرعيل من المجاهدين، وعلى ذات المقاسات استمر عبر الزمن الثوري والاستقلالي إلى أيامنا هذه.

لا تفارقني وطأة المظالم وسوء الفهم الذي عن قصد مرة ، و عن سوء قصد مرة أخرى لما صبت على النوفمبريين من تشويه ، فقد حملوا أعباء كثيرة ليست لهم أبدا ، وألصقت بهم مسارات كثيرة لم يحضوها أبدا ، بل هنالك من يلصق الإخفاقات المدمرة في المسيرة الوطنية بهم ، وهم البراء تماما ، فلم يكونوا نخبة ثقافية ، ولم كثلة اقتصادية ، و لم يشكلوا يوما قوى ضاغطة رغم ما لحق بهم في مراحل بعينها جرحتهم كثيرا .

مخيالي الشبابي ظل تحت تلك النمطيات ، لكن ما تلا من وعي الثقافي الذي تكاثف عبر أيامي، فبدأت تتجلى أمام وعي مبكرا الجدارة النوفمبرية التي كللت بالانتصار على اعتي استعمارا كان قد كبل التاريخ والجغرافيا و تدخل في الهويات و شوه العائلات و القبائل و ألقى سموما لم يبرا منها الجسد الوطني الجزائري حتى ذكري النوفمبريين هذه 2018 ، سموما ما تزال تعبث في اللغة و الحضارة والتجلي الاجتماعي من مأكل ومشرب وملبس .إن بساطة القيام النوفمبري وانتصاره الذي هز العالم بأسره وقتها ، فأضحي معه أولئك النوفمبريين كما الملائكة و القديسين يرون في المخيال الغربي والأطلسي وعلى وجه التحدي المخيال الفرنسي الذي وصفهم هكذا!

ربما مخيال مهم جدا للحديث بمقاساته عن الذكري النوفمبرية لهذا العام ، بما تضمه من رسائل مهمة أيضا لهذا العام ، رسائل عن ” النوفمبريين المجاهدين والشهداء ” أنهم يليق بهم الجهاد والشهادة كأهم كلمتين في الرسالة النوفمبرية 2018.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*