أقلام

ذكرى الليل والنهار القيام النوفمبري

يستحوذني قيامه الذي لا يفنى مثلما الأعياد فيدور مع الليل والنهار ويأتي مع كل عام ، يستحودني قيامه بطعم الإحتفالية وقد أخدت تتضاءل رويدا رويدا الى أن خفت كثيرا كثيرا وربما بمقاسات أخرى إختفت .
فلا تسئلوني لماذا لا تزهر الوجوه بقيامه النوفمبري وتمية اسماءه ؟

قيامه ، ذكراه تباينت وزئبق مشاعري ، أخذ يراود ذاكرتي فآراها بطعم الأحزان التى واكبت جيله وقد كان عظيما بدأ من خواء الكفيين ليعطى كل شيء وعظ الرجولة ، سهامة الانوف وعطر الشهادة ، يراودني فإذا به فى أحيايين بطعم الخيبة على مساحة الأعمار التى رحلت ولم تقم للورد قلاعه ، ويراودني بسكوت أزلي ترامت بمحياه حسرات وحسرات فالذي كان وعوده القمر تلاعبت به الأنواء فى دوامة ما انجلت إلا مع ورد الخروج .

انه ذكري القيام التى يسري فينا سرى الليل والنهار يعود هذه العشية فى عام الناس هذا ، وانه ليعود كما القيامة النوفمبرية كلها التى أعطت كل شيء لحم الابناء قرابين وصهد الأعمار اليافعة قدمت عرابين أمام خطوات الورد النوفمبري الاول ذاك الصارخ بالشهادة قبل الورد النوفمبري الثاني الصارخ اليوم بالكرامة ، وهي أعلت صبرا اسطوريا للمستضعفيين ملأ مآقي الراحلين بروعة الفقد الثوري التحرري الإستشهادي فظل من وطأة الأثر كل عام يلقي اسماءه المضرجة على بوابات حمراء للحرية ، بوابات طلعت من ثنايا قيامه رمزا ما ردمته السنون الى ان تلقاه الورد الفيفري .

يستحودني قيامه الذي علق منذ أيام طفولتي وفى جلابيب حماقات مراهقتي وشبابي وما تلا جميع اهتماماتي الثقافية منذ عقودي الندية الأولى الى عقودي الأخيرة التى تداعب عامي الأربعين ، وقد مضى كله على وتر الحكي وقيامه ، مضى على وتر الحكي وشهامة أسماءه ، على صدقه العظيم الى أن أكلت مفارقي مستوطنات الشيب الأبيض ، لكنه ظل ذكرى تسري كما الليل و النهار فتعود بالشهادة كل عام وبأفراح القيام واحزانه التى مضت تنتظر البدايات الجديدة التى علت فينا منذ شهورا .
لكن ما كان يستحودني تبدل قليلا فلا أدري سببه ، فقد ضعف بداخلي الأحتفاء وزاد صهد الإنتماء وامانة الإرث النوفمبري وقيامه الاولى الى ان طل قيامه الفيفري متأخرا قليلا لكنه طل ثائرا للأوراح التى أكلتها الأودية والمشات والمنعطفات وصوان صخور الجبال وهي تكتب وصاية القيام ، شهادته على أن تحيا الجزائر.

القيام النوفمبري له من الأسماء ما أفاض على اسمه بهم فصار خياليا مليئت اسماءه طفولتي وتربيتي التى كانت فى الريف بين شوارع القرى الفقيرة فى الشمال القسطيني التاريخي ، هنالك لا مندوحة لي ولأترابي سوى الإنغماس فى إحتفاليات القيام الإستقلالي لما كان يربو على أيام وأيام ، ربما لم يكن متاحا لنا غيره فى ذاك الريف القصي ، فبإستثناء الأعياد والشهر الكريم والدخول المدرسي لم تكن فعاليات الإحتفال بالقيام النوفمبري مجرد إحتفالية عادية ، بل كانت موعدا لا يخلف يستثير بنا الذكريات الطفولية من الرواة ، فنلقى إبداء الثقافات مع المسابقات واكتشاف الطبيعة مع الخرجات والرحلات وأشياء اخرى كانت فى ذاك الماضى النوفمبري الذي رحل ، لعل السينما المتجولة والتى كانت تأتي الى أريافنا بالأفلام الثورية والأناشيد والانتماء .

منذ ذاك التاريخ القديم ظل الإحتفالية كل عام تمليء كياني وتتلألأ أمامي فى تطلعاتي الطفولية وأحلامي المراهقة وأيام الكشافة والشبيية التى وكأنها كانت ترغمنا على الإنخراط فيها فلا متاح لنا غيرها فى تلك القرى الفقيرة من فى مسقطي الريفي وبيت مولودي ساحة قريتي ، تلك الاسماء حين أتذكرهم تهمل عيني ، فلا أدري لماذا ؟

وهاهو يعود قيامه فى عام الناس الجزائريين هذا ، ربما العام الذي يحتفي بالحراك وورده فى الشوارع ، هاهو يعود بما يكتنزه من مشاعر ترفع لثام الخنوع ، وإشهار الصراخ والرفض وعشق السير فى الشوارع بالأعلام و الألوان ، هاهو يعود مذكرا أمثالي ممن ولدوا وعاشوا ودرسوا فى عقود بائيسة لم تتح لنا سوى الاستسلام ، عقود ترتسم امامي اليوم وجها للبؤس منذ ان وعيت محيطي الاجتماعي والثقافي والسياسي فقد أستغرقتني كما أترابي الأعوام البومدينية وقد تراوحت ما بين سمي الديكتاتوري وسمىي الوطني فلم نفهم العلاقة الى الآن ؟ وأخذتني واترابي تلك الدومات طويلا فلم تترك لنا غير الاسي والخوف الذي اضحى مصدرا للحياة على امتداد الاعوام ما تلت البومدينة فأستلمتنا الاعوام الشادلية ومخطط الحياة الأفضل وحين أستيقظنا كانت دبات الإنقلاب على الجبهات تسد الطرقات ،وأشهد أني استيقظت ذات صباحا عند أيامي الجامعية بالجسور المعلقة على تلك الدبابات التى انتشرت فى الجنبات فسدت الزاويا ،لم أنتبه حينها لكني بقيت مغروسا فى تلك الصور فى أحلامني التى تلت ذاك اليوم الحزين .

أتذكره جيدا القيام النوفميري فى أعياد طفولتي لما كنا نتلهى بتعليق الرايات الوطنية فى شوارع قريتي الصغيرة جدا جدا ، وفى زرافات افواج الكشافة وهي تعيد المسرحيات الوطنية والسكاتشات عن شهيد وطن ، وكيف كانت مدارسنا فى ذاك الزمن القديم تجمعنا فيما اضحى يسمي بين الثانونيات وكان عندنا بين الاقسام ، ومازلت اتذكر كل شيء فلا تموت الذكريات فى مخيلتي .

وهاهو يستحودني بذات المشاعر و الاماني والذركريات وقد أضاف وردا من الحراك قد ملئت صراخاته الاصداء فى شوارعنا التى كانت حزينة ، وقد غيرت صرخاته الانواء الرتيبة الى ذكراه ، تماما كقيامه الذي كان ،ربما منتظرا الآن أكثر وأصدق بما ينفع الناس .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*