وطني

سيجارة حراق….بقلم الدكتور موسى هواري

– أخرج علبة السجائر من جيبه، وضع سيجارة في فمه، ثم راح يفتش في جيبه عن قداحته، كان مرتبكاً بعض الشيء، همَّ بإشعالها لكنه تردّد قليلاً، فالرّحلة ستكون طويلةً، وعلبة سجائر واحدة لن تكون كافيةً بالتأكيد، لكن رغبته في التدخين كانت كبيرةً، فالجو البارد والظلام الدامس والتواجد على شاطئ البحر، أشياء تحفز رغبته في التدخين، الزمان والمكان كانا بالنسبة إليه الأفضل دائما لإشعال سجارة، كما أنها ربما ستكون آخر سيجارة يدخنها في الجزائر!، تشجع أشعلها، امتص منها نفساً طويلا أدخله إلى صدره منتشياً، ثم رفع رأسه صوب أضواء المدينة المتللألئة، “هل ستكون هذه آخر مرة أراك فيها؟”، قال ذلك وهو يخرج الدخان من فمه وأنفه، وقد تبدَّلت نشوته إلى حزن، هم بوضع السيجارة في فمه من جديد وما كاد يفعل حتى انتزعها منه قائد الرحلة بعنفٍ وألقاها في ماء البحر، ثم نهره بغلظة شديدة: (” ما الذي تفعله أيها الأحمق؟ هل جننت؟ تريد أن تكشفنا لحراس السواحل؟ أم تظن نفسك مسافرًا على متن طارق بن زياد؟ -يقصد سفينة نقل المسافرين- لقد حذرتكم مسبقاً، التدخين ممنوع حتى نصبح في عرض البحر”)، لم تكن كلمات قائد الرحلة تخلو من التهديد والتجريح، شعر بإهانةٍ شديدةٍ خاصةً وهو يسمع ضحكات خافتة من بعض المرافقين الذين لا يعرف منهم أحدًا، لكنه لم يكن يستطيع الرد بكلمة واحدةٍ، فهذا هو منظم الرحلة والمسؤول عنها، وبإمكانه أن يحرمه من السفر بسهولةٍ ودون أن يعيد إليه النقود التي دفعها!، كما أنه يحمل سلاحًا لا يتردد في استعماله حسبما سمع من الوسيط الذي ربط له اتصالا معه، لذلك فكلامه مسموعٌ من طرف الجميع هنا، حتى أولئك الذين يظهر عليهم الشدة والبأس لا يستطيعون النطق بكلمة واحدة أمامه، انتابه غضبٌ شديدٌ وشعر بكثيرٍ من الذّل، لكنه لم ينطق ببنت شفة، كان يُردِّد في نفسه: “كيف يجرؤ على نزع السيجارة من فمي؟، هذا أمر ما كنت لأقبله حتى من أعز أصدقائي”، في هذه اللحظة تحسس منظم الرّحلة هاتفه الذي كان يهتز في جيبه، وكان الوحيد الذي يملك هاتفاً، بعدما منع جميع الحراقة من إحضار هاتف، لأنه يخشى من الخيانة أو “البيعة” كما يسميها، رد على المكالمة بكلمات مقتضبة: “نعم، حسننا، نحن جاهزون”، أقفل الخط والتفت إليهم مبتسما: “سيصل القارب بعد لحظات، استعدوا للرحيل ستغادرون قارة إفريقيا …”، فرح الرِّفاق وتجمعوا شاخصةً أبصارهم إلى البحر يترقبون ظهور القارب وسط الظلام، فالقارب سيصل الشاطئ ويغادره دون أن يشعل المحرك، لكنه أدار ظهره للبحر والتفت إلى المدينة دون أن يظهر عليه الفرح!، راح يتأمل أضواءها وقد اختلطت في عينيه ببلل دمعةٍ اجتهد في حبسها، أرسل تنهيدةً طويلة…، تسارعت الأفكار في رأسه، واختلطت عليه المشاعر وتنوعت، تذكر في هذه اللَّحظة أشياء كثيرة: تذكر أمَّه التي لم يودعها لأنها ما كانت لتسمح له بالحرقة، وإخوته الذين يعلقون عليه آمالاً كبيرةً، تذكر مرراة التسكع في شوارع هذه المدينة دون نقود، وكيف كان لا يملك ثمن سيجارة وقهوة، تذكر فترة الجامعة الصعبة، وشهادته الجامعية التي لم يعمل بها يوماً واحدًا، كما استرجع ذكريات الأعمال الشاقة والحقيرة التي اشتغلها في هذه المدينة، … مواقف كثيرة مرت على خاطره بسرعة، تساءل بصوت يكاد يسمعه من كان قريباً منه:(“أيتها المدينة الظالمة، لماذا لا أستطيع أن أدير ظهري لك كما أدرت ظهرك لي دائماً؟، لماذا يعز علي فراقك؟ لماذا لم أفرح مثل بقية الرفقاء؟ هل كنت أحب العيش فيك دون أن أعرف؟…”)، في هذه اللحظة ارتفعت الأصوات :”لقد وصل القارب هيا… استعدوا للرحيل”، التفت فرأى القارب وقد رسا على الشاطئ، وقد قفز بعض الشباب فعلاً على ظهره بينما كان قائد القارب يوزع عليهم سترات النجاة، توجه نحو القارب بخطوات متثاقلة وهو يتعجب من عدم فرحته باقتراب موعد المغادرة، شعر بانقباضٍ شديدٍ، تسارعت نبضات قلبه، هم بإشعار سيجارةٍ لكنه تمالك نفسه عندما تذكر قائد الرحلة، قفز إلى القارب وقد ابتلت قدماه بماء الشاطئ، وانهمك بربط سترة النجاة التي سلمها له قائد القارب، الكل كان سعيداً مبتهجًا، وبعضهم كان يتضرع إلى الله ويسأله السلامة، لكنه بقي صامتاً لا ينطق، ابتعد القارب عن الشاطئ ببطئٍ، لكن بصره بقي متعلقا بأضواء المدينة التي كانت تتضاءل شيئا فشيئا حتى اختفت تماما، عندها توجه ببصره صوب قائد الرحلة، وقال له بِذِلَّةٍ لم يعهدها في نفسه :(“هل أستطيع أن أشعل سيجارة الآن؟”).
– موسى هواري الجزائر العاصمة 2008.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*