أقلام

شجون التاريخ الحراشي!

عجيبا غريبا تاريخ – مقاطعة الحراش القديم – ذاك النائم على وسدائد الشرق من العاصمة ،عجيبا في إسقاطاته وفى تأويلاته بأثر التاريخ والجغرافيا ؟هي بعض مما علم ماضيا جزائريا سحيقا غاضبا منذ أول مرة ،وما يزال يعلمه الغضب نفسه منحصرا بسرابيله فلا يفوت أيامنا أبدا ،وكأنه اقسم أن يظل شعبا غاضبا ثائرا يصمت ربما لكنه لا يرحم الخونة مهما طال الزمن .

راودتني هواجس تاريخه العجيب والصور تتوالي أمام عيني تنزلق فوق سطح شاشة التلفاز الصغير وكأنها مشاهد سحرية ، وراودتني ذات الهواجس أيضا و أنا ارمق جموعا من مواطني قريتي النائية وهم ملتحفين أمام شاشة أيضا وقد جلبت إلى قلب المقهى ليشاهد الجميع صوره ، سكان قريتي النائية مذهولين وهم يبصرون حافلات النقل الأمني وصراخ الحراكيين في طريق السجن الشهير ، والعبارة الساحرة زادتهم شجنا وفرحا معا
– إيداع احمد اويحي سجن الحراش .

راودتني هواجسه ذاك التاريخ القديم من مقاطعة الحراش ، على الأقل ذاك الذي ارتبط بالغزو الفرنسازي وهمجيي الاحتلال سنة 1930، تاريخا لم أكن لأهتم بما حدث في منطقة الحراش عندها لولا الصور ،واشهد أني مسكون بعطور التاريخ وحكي الألسن ، تاريخا لم يكن ليأبه به لولا الإيداع الثوري للفاسد غداة الحساب العسير ، فعندما حمل -أحمد اويحي – في شاحنة نقل السجناء إلى سريره الفردي بالحراش ،استيقظ تاريخ المقاطعة كله في مخيلتي فرأيته مثيرا لمصادفته العجيبة الغريبة .

المصادفة إن مقاطعة الحراش الإدارية العصرية فيها سجنا شهيرا بشهرة من مروا به منذ العقود الجزائرية الأولى إلى غداة الإيداعات الثورية .وقد كانت عند الغزو الفرنساوي أيام حكم الداي حسن ، أراضي من الأحراش والأشواك كانت غابة كبيرة تتخللها غابات رهيبة مهابة مظلمة ،غداة الغزو الفرنساوي سنة 1830 تلك الأراضي المنبطحة كانت مهابة ومخيفة بين سكان إيالة الجزائر كما كانت تسمى ،غابة كبيرة تتخللها غابات صغيرة هنا وهنالك كثيفة الأحراش وصعبة المسالك ، قاسية الأشواك والنباتات وقد اشتدت مع الزمن تغطيها أشجارا عمالقة من الصنوبر والزان والحدائق المتوحشة ،غابة كبيرة تتخللها غابات صغيرة وجدت فيها الحيوانات البرية المفترسة من فصائل الذئاب وابن آوى والنمور المتوحشة والأسود ..وكل وما يخطر على البال .

لقد كانت المقاطعة الحضارية الحالية غابة ظلماء قاسية تجسدت في مخيال السكان الدين يقطنون مدينة الجزائر الأيالة وقتها رمزا للوحشية والرعب واللصوصية والمتوحشين جميعا أناسا وحيوانات ، فكانت لهذا كله تتجنب خوفا ويحسب لمن يقرر دخولها ألف حساب ، فلا يجرأ أبدا على الولوج إليها في ذاك الماضي السحيق حتى تواريخ قريبة ، وتمضى الأيام والسنون وتغدو مقاطعة غناء بالعمران والبيوت ، وما شدني في الحقيقة من تاريخ المقاطعة – الحراش القديم – أنها أضحت بعدها مقرا لمؤسسة سجن شهير في مصادفة غريبة ، سجن أنشأ علي تربة تلك الأراضي وغابات الأحراش والشوك المخيفة . تلك التي جعل منها المقاوم – احمد باي – في الماضي حين كان مع المدافعين على الأيالة ساعة الغزو الفرنساوي ، جعل من غابات الأحراش والأشواك المخيفة لتربة الحراش سجنه لأسراه من الغزاة الأوربيين والفرنساويين والخونة ويهود ومتآمرين ..

لقد شدتني مصادفة الجغرافيا والتاريخ والتي تراءت أمامي بمغزى شديد وقعه على مخيلتي ، إذ كيف أن – احمد باي – كان من الأولين الذين تنبأ أن هذه المقاطعة لا تصلح سوى معتقلا أو سجنا أو حبسا للخونة ! الأمر الذي زاد وضوحا عندي عشية الأمس القريب في سنة الناس هذه وشهر الناس هذا ،حين اقتيد رئيسا للحكومة كان وما يزال من ابغض الوجوه في عيون الجزائريين جميعا وفى عيون الحراك الشعبي ، إذ كيف اقتيد وحشا إلى غابة الوحوش ، وذئبا إلى أحراش الذئاب، ومفترسا إلى المفترسين والنمور وأبن آوى جميعا ،اقتيد إلى التربة التي ستلف ربما أيامه المقبلة في تقدير من المولى عظيما درسه ،وكان التاريخ يكافئ الأثر بأصله ،ليعود كل إلى مأواه وفعله على قدر ما أبدت يداه وما كتمت روحه .
ربما غابات وأحراشا وأشواكا ووحوشا ضارية كانت بأراضي – الحراش القديم – وقد غدت لها مرتعا غداة الغزو بما أكيد تاريخيا ، وهي نفسها تليق الآن جدا بالفاسد والخائنين في مقاربة عجيبة غريبة ، حقا إن لتاريخ لشجون ؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*