أقلام

علي معاشي الفنان الحر الملتزم الشهيد

شاعر ومغن جزائري عرف بأغانيه الوطنية، والتي مثلت طابعا فنيا للثورة الجزائرية من أجل الاستقلال، ولد في حي راس سوق في حوش المعاشات وسط تيارت في 12 أوت 1927، وتكفلت والدته بتربيته بعد وفاة والده، تأثر صغيرا بالقصيدة الشهيرة “مولاة الحايك” لشاعر الملحون “محمد بلطرش”، وبدأ حياته الفنية بعد إنهائه الخدمة العسكرية الإجبارية التي أداها في القاعدة العسكرية الفرنسية ببنزرت التونسية، حيث أسسَ سنة 1953 فرقةً موسيقية بإسم “سفير الطرب”، طاف بها بعدة مناطق من تيارت مسقط رأسه وعبر بعض البلدان العربية كتونس ومصر، رغم سنه الذي لم يتجاوز الثامنة عشر مستغلا اشتغاله بالبحرية آنذاك، تطور فنه وأوجد لنفسه بصمته الخاصة من خلال دمج النغمة الوهرانية الأصيلة التي وافقت صوته العذب، قبل أن يعود إلى الجزائر ويحصل على وظيفة مهندس صوت في إذاعتها بالعاصمة، هناك عرفته الفنانة صابونجي كتقني بالإذاعة قبل اندلاع الثورة التحريرية، خلال تلك الفترة، ألّف ولحّن وتغنى بقصائد متنوعة بين الغزلية والثورية فتغنى بالمرأة وبالجزائر ومناطقها، فاشتهر بأغان كثيرة مثل “يا بابور” أولى أغانيه، “تحت سماء الجزائر”، و”طريق وهران”، و”النجمة والهلال”، وهي أغنيات تندرج في نوعها ضمن الأُغنية الوهرانية، مع ميلٍ واضحٍ إلى اللحن الشرقي من دون طمس روحها المحلية، وعند اندلاع الثورة التحريرية عام 1954، لم يتردّد في دعمها بكلماته وألحانه وصوته، حتى بات بمثابة ذراع فنّي لها، وفي مطلع خمسينيات القرن الماضي أثار “فريد الأطرش” استياء الجزائريين، بعد عرض فيلمه “آخر كذبة”، ومنه رحلة من أربعة عشر دقيقة يطوف خلالها الفنان المصري أقطار البلاد العربية على “بساط الريح” القادم من عوالم “ألف ليلة وليلة”، في الأغنية التي لحنها الأطرش وشاركته عصمت عبد العليم أداءها، تألم الجزائريون وهم يُشاهدون البساط السحري المتخيَل يقفز مِن مراكش إلى تونس من دون أن يحط بالجزائر التي كان شعبُها يستعد لخوض واحدة من أبرز الثورات التحريرية في القرن العشرين، وفي زيارته للجزائر إبان الاحتلال، حيث بعد شكره لم يعط الاهتمام للجزائر والجزائريين من كلمات هيجت الحاضرين وأثارت ضجة كبيرة في القاعة، وانتفض الجميع ثائرا على فريد الأطرش فغضب هذا الأخير، وفي خضم تلك الخيبة، قرر علي الانتقام على طريقته ورد الاعتبار إلى بلاده، بتأليفَه أغنية من خمس عشرة دقيقة بعنوانٍ “أنغام الجزائر” في 1956، ينتقلُ فيها بين مختلف مناطق الجزائر بألحانٍ تُمثل كل منطقة، وهي الأغنيةُ التي ستُصبح أكثر أعماله شهرةً على الإطلاق، وستتحوّل إلى ما يُشبه النشيد غير الرسمي للبلاد، والمعروفة بمطلعها “يا ناس أما هو حبي الأكبر.. يا ناس أما هو الأكبر لو تسألوني نفرح ونبشر.. ونقول بلادي الجزائر”، تغنى بسحر الجزائر ردا على كل ناكر وعلى كل غاشم فاجر، قبل أن يلتحق بصفوف الثورة عام 1957، وفق مصادر تاريخية، وتُسند إليه قيادة الثورة مهمّة نسخ النشيد الوطني الذي كتبه الشاعر الكبير مفدي زكريا استناداً إلى نسخته الأصلية وتوزيعه على المواطنين، وبعد فترةٍ قصيرةٍ من ذلك، اكتُشف أمره من الاحتلال الفرنسي الذي كان قد ضاق ذرعاً بأغانيه، ولوقعها على الرأي العام الوطني والدولي، وكان الكثيرون يتوقّعون له مستقبلاً فنياً زاهراً، وفي حفل غنائي ارتد فيه أعضاء الفرقة الموسيقية ألوان العلم الجزائري، فأختطفه المحتل في 8 جوان 1958 مع اثنين من رفقائه، واقتادهم إلى “ساحة كارنو” (ساحة الشهداء حاليا) بوسط تيارت قريباً من الحي الذي وُلد وعاش فيه، حيث قتلهم ونكل بجثثهم، ولم يكتف بذلك، فجمع الجزائريين لمشاهدة مصير الثلاثة المشنوقين في الساحة لبث الرعب في نفوسهم، استشهد يومها وعمره لم يتعد 31 سنة، لم يطمس صوته، فتحولت ذكرى إعدامه إلى “اليوم الوطني للفنان”، وما يزال استشهادُه صرخة في وجه همجية المحتل تعود في كل عام، يرحمه ويرحمهم الله، المجد والخلود لشهدائنا الأبرار.

 

بقلم: د.محمد طيب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*