أقلام

لم الشيوعيون الجزائريون خارج الحسبة الانتخابية ؟

كان سؤاله عابرا لكنه شغلني لمدة من الأيام ، والى أن استجمعت جدارته وضرورته في ضميري فكرة مليحة جدا قياسا وما تشهده الساحة السياسية الجزائرية إبتداءا من إرث الأزمات السابقة الى زمن الحراك الى الأجواء الرئاسية الاخيرة وما يصحبها من نقاشات في الاعلام وأراء التواصل الاجتماعي وكثيرا من التداخل والآراء التي تراوحت فوق فسح عريضة المشارب والإيديولوجيات ولكثرة الابداء للمواقف انتبهت الى جدارة الفكرة التي ضمنها سؤاله العابر .

لم الشيوعيون الجزائريون خارج الحسبة الانتخابية ؟
وبالقدر الذي بدا لي جديرا طرحه وعمقه ، بدا لي في ذات الوقت محصنا بالكثير الكثير الهالات ومخبئا تحت الستائر و والالوان والظلال ، لأن الفكرة الشيوعية دائما الحاضرة الغائبة ، والمغضوب عليه والمطرودة من كراسي النقاش رغم كثيرة التجليات الثقافية التي تملئ ساحات الشوارع هي أدعي انها مستجلبة من الفكرة الشيوعية رأسا . ففي الحقيقة ان دستور 86 منح الرخص القانونية لتأسيس الاحزاب على خلفيات ثقافية وايديولوجية بالمعنى الشاسع لكن من دون تسميتها اجتنابا ربما للحساسيات الممكنة ، فكانت ثماره أحزاب اسلامية وشيوعية وعلمانية ووطنية ،لكن دون الكشف تماما على وجهها الحقيقي الايديولوجي .على الاقل من حيث الشكل ، فليس هنالك على سبيل المثال الحركة الشيوعية الجزائرية ، ولا هنالك الحزب العلماني الجزائري ، ولا هنالك الحزب السلفي الجزائري وهكذا دواليك سارت التقاليد السياسية عندنا منذ دستور 86 إن لم تخني الذاكرة .

إن ما حوط الفكرة الشيوعية في الميدان السياسي الجزائري قد لعب دورا كبيرا في تشويهها وابتدالها الى ان اضحت فكرة غريبة لا تمت بصلة الى الانتماء السياسي ، مع ان الفكرة الشيوعية متأصلة ضمن الزخم الفكري والايديولوجي الذي زخرت به الجزائر التاريخية او البوتفليقة او الجزائر التي يحاول الحراك ان يبعثها من جديد بصرخاته وخروجه العظيم .وما حوط الفكرة هالات ثقافية وتاريخية واحكام مسبقة من دون ثقافة قامت فقط على تجارب ضيقة ومسارات بعض الشخصيات الشيوعية والتي في الحقيقة لا تمثل الفكرة الشيوعية في جوهرها وابعادها الوطنية ، بل تجارب شخصية ، لأن تجارب شيوعية في الوطن العربي تدل ان الفكرة تتقارب كثيرا والأفكار الاسلامية أو الليبرالية أو غيرها في مضمار التعايش الوطني العام ، ففقط عندنا الشيوعية هي الفكرة التي اريد لها ان تظل تصارع اثارة الجدل ؟

فلا هي مكتملة المشروع السياسي في بناءه الفكري والانخراط الشعبي و لا القيمة القيادية ، ولا هي اعلنت فشلها السياسي وانسحبت ، بل ظلت بين الناريين مما اثر ساهم سريعا على تدمير الفكرة الرائعة التي تحملها الشيوعية من التيارات الإنسانية والرؤى الاقتصادية والتعايش وحقوق الإنسان ، فهي عندنا حصرت فقط في صراع مع الفكرة الاسلامية ، صراعا دمر الفكرتين الاسلامية والشيوعية وفتح الطريق امام افكارا هجينة أضرت ولم تنفع الناس .

هذه الهالة اضحت تقلق حتى العارفين بالفكرة الشيوعية وجوهرها في تجليه الجزائري ، من ذاك التصادم الذي يسكن الوعي الجمعي للجزائريين بأغلبيتهم ة تجاه الفكرة الشيوعية باعتبارها فكرة تصادمية ، تدميرية ، غريبة ، رغم انها في تاريخنا الجزائري كانت محركا مهما في الحركة الوطنية ومساهما فعالا في ابقاء صهد الهوية والثورة ، بل هنالك من الشهداء النوفمبريين الكثير كانوا من مناضلي الحزب الشيوعي الجزائري القديم .
وإذ اقول هذا ، فلأني أري فوق مشاجب الوعي الشعبي معلق و سط ضبابية من الاشاعات وقد تزاحمت بين الثقافي والتاريخي ن فالإسلامي والإشهاري الدعائي ، الى ان اعطت ما اعطت ، رؤية مشوهة عن الفكرة الشيوعية ، استغرقت الأغلبية الشعبية والنخبة بل حتى قادة الفكرة الحاليين ولا اقول التاريخيين .
كان سؤالا عابرا ، من صديق لطالما نشتبك واياه في احاديث ثقافية بين الحين الآخر ، لكنه فاجئني بسؤاله ربما صديقي يعتقد في اعماق نفسه انس شيوعي يخفي ايمانه ، لكنه فتح امامي فضاءات واسعة من جدارة السؤال و فكرته .
لم الشيوعيون الجزائريون خارج الحسبة الانتخابية ؟
ان الحياة السياسية الجزائرية التي يمكن التأريخ لها منذ الاستقلال قد مرت بعدة تحديات أقيمت راسا على قواعد من الايديولوجية العالمي التي كانت تسود مع العقود التاريخية منذ منتصف القرن العشرين ، فإن كان القيام النوفمبري قد وحد الافكار الجزائرية في جبهة واحدة هي جبهة التحرير الوطني فان ما لا الأحادية السياسية والحزب الواحد ميزا الساحة الجزائرية منذ متنصف عقد الستينيات 1965 الى الانفتاح الديمقراطي 1989 . فيما ظلت الايديولوجيات بمختلف مشاربها تحت هشيم التاريخ السياسي الجزائري الذي كان لا ينام ، ليأخذ التاريخ مساره في صراع محتدم بين فكرتين اساسيتين تجلتا بعده بين الفكرة الإسلامية التي تحولت سريعا الى فكرة غريبة هي الاسلاموية وبين الفكرة الشيوعية التي اخذت تتضاءل وتضعف تحت ضربات داخلية و خارجية أمام غريمتها الأسلاموية لما شاب المسيرة من مقاسات مخادعة اخذ الفكرة الشيوعية أخذا مدمرا ، ومما جعلها تبدو وكأنها ضد المصالح الشعبية ، هذه المسارات هي ما تلت الانقلاب على الجبهات الثلاث الذي صار مجرد بيروقراطية ادارية وسياسية وظفت ايديولوجيات كثيرة وجعلت الفكرة الشيوعية تبدو وكأنها سجلا تجاريا للارتكاب ما يراد ارتكابه ثم يلصق على اكتاف الشيوعيين والإيديولوجيا ؟

فيما الفكرة الشيوعية التي كانت مجسدة في الطليعة الاشتراكية ثم التحدي ثم الآمدياس كانت واضحة المواقف ، وهنا يجب التنبه ان الطليعة الاشتراكية قد تفرعت الى تيارات وما التحدي والآمدياس الا حزبيين من ضمن ذاك الانشقاق . فقد شاع عن زعيما شيوعيا كبيرا (1 الهتاشمي الشريف مؤسس الامدياس والامين العام للطليعة الاشتراكية المشهورة ) نظرية القطيعة المزدوجة ، بحيث لا تواصل مع الأنظمة الريعية المرتشية ولا تواصل مع الاسلاموية المجرمة ..
لكن الصورة بقيت مند ذاك التأريخ ملطخة على الفكرة الشيوعية والانتخابات ، ربما التجربة التي خاضها حزب العمال و المألات التي غداها قد زاد في انحصار هذه الفكرة ، مما جعلها تأخذ زوايا ضيقة جدا رغم جدارة الفكرة ، بل وتتغيب لثلاث عقود على الساحة السياسية و الانتخابات ، فبدت وكأنها تكاد تنسحب تحت ضربات التاريخ والواقع والصراعات الى ان باتت بلا اثر في الحياة السياسية الجزائرية الا بالقدر الذي تثيره بين الحين والآخر من مسائل و شجون مثيرة للجدل والنقاش بحميميات ثورية ، لا اكثر ولا أقل على ما أعتقده.

( للمقالة بقية )

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*