أقلام

مافيا الغابات – مشكلة قديمة متجددة-

 

أفاد مواطنون من ولاية بجاية وتيزي وزو وسطيف ، عن تسجيلهم لعدة ملاحظات تشوب أسباب حدوث حرائق الغابات مؤخرا، حيث يعتبرون أن مسلسل الحرائق منتظم وممنهج، ويشككون في وجود جهات معينة تقف وراءه وتسعى لارتكاب جرائم في حق البيئة والطبيعة، من خلال تجفيف الفضاء الأخضر الذي يمثل رئة المنطقة ومتنفسها.

كما شهدت عدة ولايات حرائق استهدفت غابات، محميات طبيعية، أدغال، وحتى محاصيل زراعية، وتسببت في إتلاف مئات الهكتارات، ناهيك عن تعرض أصناف من الحيوانات البرية بسببها للإبادة، وكذلك حدث مع خلايا نحل ومداجن، فيما يقابل ذلك غياب إستراتيجية وطنية تقوم على إمكانات ومعدات حديثة يمكنها الحد من هذه الكوارث الايكولوجية، وهو ما بات يهدد الثروة الغابية الوطنية وكذا الحيوانية، ويجرّها نحو الزوال التدريجي، وبالتالي فهو يؤثر على المناخ الذي سيتغير إلى مستوى أكثر حدة، يجعلنا نعيش ارتفاعا قياسيا في درجات الحرارة، كما سيجعل الشمال عرضة لظاهرة التصحر، دون نسيان الخطر الذي يحدق بسلامة السكان وصحتهم وممتلكاتهم، خاصة القاطنين بمحاذاة المناطق الغابية، إلى جانب المعاناة مع الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي وشبكات الاتصال الهاتفي.

ويضيف شاهدو عيان فرضية الحرائق المفتعلة هذا العام، يثير الشك والاستفهام، كمشاهدة ألسنة النيران المشتعلة بشكل مستقيمات متوازية في غابة واحدة، ونشوبها في الأدغال وغابات الصنوبر والبلـوط، بدافــع استغلالها في صناعة الخشب وبيع الفحم، وحتى من أجل تحويلها إلى عقارات للسكن والفلاحة مستقبلا، في مشهد يعزز فرضية الافتعال والتعمد، كما تداول المواطنون صورا وفيديوهات عبر وسائط التواصل الاجتماعي تظهر وجود مواد سريعة الالتهاب وسط الغابات، وأخرى توثق كيفية اشتعالها بفعل بشري.
وتؤكد المديرية العامة لمحافظة الغابات عبر مكتبها بولاية بجاية ، في هذا السياق بالتحديد، أن الموجة الحالية من الحرائق ستكون لها تبعات ايكولوجية سلبية، وأنها صارت عمليات ممنهجة لمافيا الغابات للقضاء على الثروة الغابية من أجل مآرب ومقاصد قاصرة لا تهتم للنتائج والمخلّفات، واستعرضت ما عاشته بجاية وشمال سطيف قبل أيام من حرائق مهولة، خلّفت إتلاف عشرات الهكتارات من الغابات في كل من بلديات تيزي نبربر،تامريجت،أزلاڨن ، حيث حوّلت ألسنة النيران مساحات كبيرة من غابة بوخليفة إلى خراب ورماد، تسبب في تصاعد دخان كثيف، صاحبه ارتفاع في درجة الحرارة، ما أثر سلبا على المصابين بأمراض تنفسية. وفي مدينة تيشي الساحلية، فإن الحرائق أجهزت على شطر واسع من الغابات، كما كانت النيران على مقربة من بعض المجمعات السكنية في خراطة وبني ورتيلان في شمال سطيف ، ما تطلب تدخل مصالح الحماية المدنية والإطفاء وكذا مصالح الغابات، الذين واجهوا صعوبة بالغة في عملية السيطرة على الحرائق، فيما تم إسعاف بعض حالات الاختناق بسبب الدخان الكثيف، وتحويلهم إلى مستشفى بني ورتيلان وبجاية خاصة فئة النساء الحوامل والمصابين بالربو.
ودعت الحماية المدنية لولايتي سطيف وبجاية ضرورة تدخل وزارة الداخلية، و مديرية
الغابات ووزارة البيئة، وفتح تحقيق معمق حول هذه الحوادث المفتعلة في معظمها، والتي تنذر بكارثة إيكولوجية تؤثر حتما على المناخ ونظام الحياة في الجزائر، كما طالبت بوجوب سن قوانين صارمة لردع كل من تثبت صلته بجرائم حرق الغابات.
كما دعا المجتمع المدني في ولاية بجاية إلى تشكيل خلية أزمة وتطبيق إستراتيجية وطنية جادة لمكافحة الحرائق وحماية الغابات، من خلال مراقبة وجود حواجز تفصل الغابات الشاسعة للحد من انتشار النيران، وضمان عدم استغلال تلك الفواصل من قبل الانتهازيين،وهو الأمر الذي تضمنه محافظة الغابات .
ولعل المؤسف والمخزي أمام ظاهرة الحرائق، هو إفتقار الدولة الجزائرية رغم غناها، للمعدات التكنولوجية الحديثة التي تستخدم في إطفاء الحرائق كالطائرات.
من جهة أخرى، وجه رؤساء الجمعيات في ولاية بجاية رسالة إلى المواطنين عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى التحلي بالحس الوطني الإيجابي، من خلال تبليغ مصالح الأمن أو الغابات عن أي عمل أو سلوك يشكل ضررا بالثروة الغابية، خاصة أمام تزايد نشاط مافيا العقار الغابي وتجار الفحم مؤخرا، لأن مستقبل نظامنا الوطني البيئي على المحك، وسلامة ذلك مرهونة بتضافر جهود الدولة والمواطن على حد سواء.

” بقلم : توفيق بن خليف “

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*