أقلام

هل الأقلية السياسية متجذرة في الجزائر ؟

كان سؤالا مباغتا وقد فاجئني منذ مدة ، هل الأقلية السياسية متجذرة في الجزائر ؟ سؤال بقدر فجائيته فقد أخذني في سفر لتفكيك بعض من تجليات ما أعتقد أنها أساسية في شرح واستيعاب الأقلية السياسية .
أولى التجليات كان الحراك الشعبي ، فشكرا أيها الحراك لأنك أعدت تفجير مفاهيم كثيرة كانت معقودة على مقاسات صماء ، ومن التجليات موقفا وطنيا من قيادة الجيش صبيحة الحراك وما تلا ، فشكرا أيتها القيادة في الجيش لأنك أعدت اللحمة بين مفاهيم كثيرة كانت ممزقة .

وبينهما تأتي تجليات الشعب بشبابه وطلبته وأغلبيته الشعبية التي نطقت بعد صمت أزلي وكأنها كانت بلا لسان ، فشكرا أيها الشعب العظيم لأنك كسرت قيودا من أزمنة للبهتان ألقتها الأقلية السياسية قيدا أمام حريتك حتى بدت تلك الأزمنة طاغية وكأنها لا تنتهي .

وحين طلع الحراك كما طلع مباغتا بدت ذات الأزمنة وهشة وغير متماسكة أمام حراك الأغلبية الذي فكك أواصل تلك الأقلية السياسية كاشفا تاريخها وأساليبها وبهتانها للعالمين على مقاسات الهوية و الوطنية والمؤسسات السيادية .

ولأن الأقلية السياسية أعزائي القراء ، لا يجب أخذها بمحامل الإيديولوجية و الجغرافية والعرقيات ولا بالانتماءات الأخرى فهي ليست كذلك أبدا ، وان كانت في التجربة الديمقراطية الجزائرية استطاعت العيش بين ضفاف التاريخ السياسي الجزائري القريب بأقل الأعباء ، ربما أضحت شيئا آخرا يستعيش بالسياسية ولا يؤمن بمقتضياتها ومبادئها وأخلاقها ، أقلية تستعيش وتتمسح بالتسميات الفكرية والتنظيمية والنضالية زورا وبهتانا .

والأقلية السياسية أراها تلك الأحزاب بل الحزيبات التي اقتصرت على احتكار تاريخا سياسيا جزائريا من بعض الأسماء والسير والربرتوارات مزجت على بطولات دونكيشوطية ضد الديكتاتورية والظلامية والعسكرتارية وكثيرة هي الملبوسات المزيفة التي لبستها منذ بزوغها كأقلية سياسية والى أن خرج الحراك الشعبي غاضبا كما خرج ، وقد قد بدت عنده الأقلية السياسية أقل من طائفة ضئيلة جدا ،طائفة تعد على أصابع اليد الواحدة برموزها وأسماءها وقد اقتصرت في بعض من الجغرافيا بحصرية غريبة عجيبة ، فتسلحت أظافرها من فشل الأيام الجزائرية الحزينة ومن سطوة الأزمنة التي توالت منذ الزمن التسعيني إلى الزمن البوتلفيقي مرورا بالزمن الإرهابي الأعمى الذي مهد فيما أعتقده لسطوتها مبررة بالإرهاب .

فبدت أقلية سياسية وكأنها الأغلبية الشعبية التي ركبتها لأنها أغلبية آثرت صمتا غريبا طال مؤلما خلال تلك الأزمة كلها ، فأضعفت الأغلبية وزادت سطوة الأقلية .

حتى جاء خروج الحراك الشعبي في صبيحته التاريخية التي خانها الإعلام الجزائري الذي يجب أن لا ينسى ؟! خرج حراكا غاضبا على الزمن البوتفليقي وخرج حراكا غاضبا أكثر على الأقلية السياسية التي أستعيشت مع الزمن البوتفليقي ، ومعا استمرا في ترتيب أشباحهما و تضخيم أوهامهما بسيطرة مأجورة من الأقلية السياسية مقابل إبقاءها وأسماءها ورموزها قيد الحياة الإدارية بالتزوير ، وقيد الحياة اليومية بالهالات والإشهار والخوف من طرف تلك الأزمنة .

هي إذن ،أقلية سياسية انتشرت فتنوعت وتجلت في الإيديولوجيات والأفكار السياسية والتيارات التنظيرية وأخذت من السياسية مضمارا لها ، فشربت من الشيوعية ، فلها في الجزائر أحزاب شيوعية تسمى تجاوزا على الفكرة الأصلية لأن شيوعيو الجزائر أكثر برجوازية من البرجوازية الأصلية ، وهي علمانية ، فلها في الجزائر أحزاب علمانية دخيلة على الفكرة لأن علمانيو الجزائر لا يمتون للعلمانية بمقاس ولا أخلاق ، وهي اسلاموية ، بل وبجميع الملبوسات الإسلاموية التي عرفها العالم الإسلامي من فكرة الجماعة الإسلامية إلى فكرة الإخوان المسلمين ، فلها في الجزائر أحزاب لكنها انشغلت على تمجيد الذاتيات والنرجسيات والانقسامات قبل أن يأخذها الإرهاب ممارسة أو إشهارا ، وهي أيضا تجلت أقلية سياسية من بنات الأفكار التي توصف بالوطنية فأخّذت من العروبة والأمة العربية الواحدة ما أخذت ، ومن بقايا الفكر البعثي وتجلياته وتراكيبه ما أخذت ولها في الجزائر مستقرا وأحزاب بعيدة بُعد السماء على الأرض عن أصل الفكرة الأولى ، فلا هي أرتقت بالثقافة العربية ولا هي شددت مجدا على مبادئ الأمة ولاهي تمكنت من إعطاء البديل السياسي النموذجي ، بل لقد وظفت مطية لأخطر الأقليات السياسية ، ألا وهي الفرنكوفيلية الأقلية المرتبطة رأسا بفرنسا الاستعمارية المتصهينة وقد تجلت مع الخائن وتنظيمه الإرهابي .

لقد بقيت الأقلية السياسية مترامية بين الأفكار والتأسيسات الحزبية وبين الآراء و الاستعراضات الثقافية بعيدة عن طموح الأغلبية الشعبية إلى أن غدت أكشاكا سميت أحزابا ، وبؤرا سميت نواد وأقلام قوضت الانتماء سميت ثقافة والقائمة تطول !

وإن الأقلية السياسية الفرنكوفيلية التي سيطرت على الأقلية السياسية منذ الانفتاح الديمقراطي ترى الأشياء بمزاجية مرضية فوقوف قيادة الجيش الحالية مثلا مع الحراك تراه ديكتاتورية ، فيما كانت تساند الانقلاب الذي نقدته الأقلية ضد الأغلبية الشعبية عند مطالع التسعينات ، إن الأغلبية الشعبية التي خرجت وصرخت وعبرت ثم ضغطت لأول مرة في التاريخ السياسي الجزائري منذ صبيحة ” 22 فيفري ” لا ترى الأقلية السياسية بأنها متجذرة في الجزائر ، بل تدعى تجذرا مزيفا لا أكثر ولا أقل.
ربما حراك البرج برهانا لمن أراد التبصر .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*