أقلام

هل يصلح الزمان ما أفسدته المملكة السعودية !

لا خلاف أن التاريخ ومنذ الأزل يحفظ للأجيال الدارسة صفتين لدى الإنسان ،صفة البطولة إذ أن التاريخ يحتفي بالأبطال ويكرم بطولاتهم ،وصفة الخيانة من هلال فضح الخونة والكشف عن دورهم السلبي باعتبارهم نموذجا لا ينبغي اقتفاء أثره ،وبعيدا عن كرونولوجيا أحداث تشكل المملكة العربية والتي يسردها ابن غنام في كتابه ” تاريخ نجد ” ،أو كما يسرده مفتي الديار المكية الشيخ الزيني دحلان في كتابه ” فتنة الوهابية ” ،وبعيدا عن كارثة تبني عائلة لرقعة جغرافية واسعة من الوطن العربي وتسميتها باسم العائلة ،كان للمملكة العربية السعودية دور سلبي في الوقت الراهن اتجاه تماسك ووحدة الامة الاسلامية ،فلا الديباجات التي تصف السعودية ب “بلد التوحيد ” ولا الشعارات التي تسمها ب ” بلد السنة ” أضحت تغطي عن تلك التجاوزات الثقافية والفكرية تارة وكذا التجاوزات السياسية في بلدان الجوار تارة أخرى ،فتبني المملكة السعودية لفهم فكري ورؤية دينية خاصة متمثلة في الفكر الوهابي ومحاولة نشره في العالم الإسلامي واستغلال مواسم الحج لبثه بين الوافدين من خلال المطويات والأشرطة التي تروج للوهابية باعتبار المذهب الوحيد الضامن لدخول الجنة وأن كل من يخرج عن نطاق هذا الفهم يدخل حيز الزندقة والمروق عن الدين ،ما من شأنه أن يسيج ديناميكية التجديد الديني في العالم الإسلامي ،ويكبح حالة الاجتهاد لدى رجال الدين المرتبطة أساسا بالزمان والمكان ،فكانت السعودية ولا تزال برجال الدين لديها يكنون العداء للأزهر الشريف باعتباره ينظر للعقيدة الأشعرية وكذا التصوف الإسلامي ،كما يرفض رجال الدين في السعودية انتاجات هل المغرب الإسلامي الدينية باعتبارها نابعة من بيئة صوفية مرفوضة ،هذا دون الحديث عن الاجتهادات الإيرانية المرفوضة بشكل قطعي ذاك أن التشيع يعد لدى ” بلد التوحيد ” أخطر من اليهودية باعتبار أن الأول يخفي كيده للدين تحت عباءة الإسلام والثاني خطره واضح للعيان . إن هذا الفهم الاقصائي الخطير للدين خلق مجموعات بشرية تدين بهذا الفهم في كل البلدان الإسلامية، وأضحت هذه الجماعات تمثل ” جاليات سعودية ” في أوطانها ، متأثرة كل التأثر بالفكر الديني السعودي ،هذا التأثر كان نتاج التفتح الاقتصادي في المملكة أو بما يعرف ” بالبترودولار ” ،والذي سمح لهذه الثقافة الدينية بالانتشار انطلاقا من إنشاء القنوات والمواقع التي تروج لها ،وكذا استقبال البعثات التعليمية ثم إعادتهم لبلدانهم الأصلية لنشر ” التوحيد ” على حسب آرائهم . أما الجانب السياسي في المملكة فلا يقل سوءا عن الجانب الفكري ،فالنظام السياسي السعودي لا يشجع الدول التي تحترم نفسها على تبنيه باعتباره نظام يؤسس لدكتاتورية قمعية تكبح بروز الطاقات الراغبة في القيادة السياسية انطلاقا من سياسة توارث الحكم المتداولة في السعودية بغض النظر عن المؤهلات الفكرية والأخلاقية لوريث الحكم في مطابقة عجيبة لنظام الملك العضوض الذي بدأت أولى إرهاصاته مع بداية الدولة الأموية . ثم إن النظام السعودي لا يكتفي بمعالجة الأحداث الداخلية في المملكة ، بل يتعداه إلى تدخله في شؤون الأنظمة والبلدان الأخرى ودعم الانقلابات العسكرية وإحداث نوع من الفوضى السياسية والاستثمار فيها كما حدث في ليبيا من خلال دعم السعوديين للمعارضة المنشقة عن نظام القذافي ،وتسخير رجال الدين في المملكة على غرار العريفي لتبرير فعل الانقلاب دينيا ،وكذا دعم النظام السعودي للمعارضة السورية وتدعيمها بالسلاح تارة ،وبفتاوى المشايخ السعوديين تارة أخرى ،في تناقض صارخ لرجال الدين في المملكة والذين ينظرون ل” عدم جواز الخروج عن الحاكم ” ،لكنهم يدعمون الخارجين عن الحكام إذا تعلق الأمر بمصلحة البلد . إن تخبط النظام السعودي سياسيا أحاله إلى الوقوع في العديد من الهفوات الجسيمة ،منها على سبيل المثال لا الحصر الاعتداء على ثلة من الحوثيين في اليمن والإخلال بأخلاقيات الحرب من خلال قصف الأطفال والمدنيين كما شاهده العالم في القنوات ،فلا شك أن السبب الرئيس لتخبط النظام السعودي واختلال مواقفه حيال القضايا المصيرية للأمة الإسلامية إنما يعود إلى عقدة تتملك النظام السعودي وهي عقدة ” إيران فوبيا ” أو الرهاب من إيران باعتبار أن مواقف المملكة تبنى لزاما على موقف دولة إيران ومعاكستها بوصفها العدو الدائم والخطر المحدق بالمملكة ،حاشدة في محاربة هذا الخطر كل القوى وعلى رأس هذه القوى الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها . هذا التهافت الفكري والسياسي يجد – للأسف – مطبلين ومدافعين عليه في كل البلدان الإسلامية باسم السلفية والمحافظة على مكاسب أنتجها أسلافنا في زمانهم ومكانهم ،حيث لم تشهد الجزائر ومنذ الاستقلال هذا التساهل مع المطبلين للسعودية كما تشهده هذه الأيام ،إذ أننا نجد الكثير من هؤلاء يعتلون المنابر في المساجد وينشرون أفكارهم السامة بين الجزائريين بدون رقيب ،في تعد صارخ عما ينبغي أن يكون عليه الخطاب المسجدي في الجزائر والذي ينبغي أن يرتكز على المرجعية المعتمدة والتي تقوم أساسا على التصوف ومنهج التزكية . إن هذا التباين الحاصل في الخطاب الفكري والخطاب السياسي في السعودية حرك السلطة الحاكمة في المملكة ويتجلى ذلك من خلال الإصلاحات التي يحاول القيام بها ولي العهد السعودي الشاب محمد بن سلمان وذلك بتقليص الكثير من صلاحيات المشايخ في بلده ،وتكميم أفواههم عن القضايا الكبرى وكذا فتحه لتحقيقات كبرى حول مصير الثورة داخل السعودية بغية خلق حالة من التجديد على المستوى الثقافي والسياسي . لذلك كان الشأن السعودي على المستوى الثقافي وكذا السياسي ما كان ليهم غير السعوديين لولا سياسة الترويج والإشهار التي تعتمدها المملكة السعودية ومحاولة نشر هذه النماذج التي تعتمدها ،وخلق فئات موالية داخل البلدان الإسلامية ،ما خلق حالة من الفوضى الدينية داخل هذه البلدان بين مستورد للفتاوى السعودية بين رافض لها ،في انتظار إصلاحات التجديد الديني سواءا في المملكة أو في البلدان الإسلامية ، هل حقا سيصلح الزمان ما أفسدته المملكة العربية السعودية ؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*